صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

68

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الإسلامية تجعل هذا الفكر بالفعل فكرا عالميا أو إنسانيا ، يؤمن به من يؤمن على هذا الأساس ، أو ينكره على هذا الأساس » « 1 » ، من ناحية أخرى . تطور الفكر الأخلاقي وثراؤه عند المسلمين : إن أهم ما يميز هذا الفكر ويؤكد أصالته هو هذا التنوع الهائل ، وذلك الكم الضخم من المؤلفات التي أسهم بها العلماء المسلمون في المجال الأخلاقي ، وقد كانت هذه الجهود المباركة - شأنها شأن أي جهد علمي خلّاق - قد بدأت صغيرة ثم كبرت ، مختلطة بغيرها في البداية ثم استقلت . لقد أرسى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المفاهيم والقيم اللازمة لإقامة حياة سعيدة على الأرض ، مع ضمان الجزاء الأوفى في الآخرة ، وقد تفاعل الفكر الإنساني مع هذه المبادئ والقيم ، سواء أكانت حضارية أو عقدية أو أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية ، وحاول التعامل معها ، فقد دفع القرآن الكريم إلى الناس والعالم أجمع نظرة جديدة في الكون والحياة والمجتمع ، وكانت هذه الجدة متمثلة في الوسطية والحيوية والحركة والتكامل . وتطور الفكر الإسلامي كوحدة متكاملة بعد استقرار المقومات الأساسية باكتمال نزول القرآن وانتقال الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الرفيق الأعلى ، ومن ثم ظهرت علوم كثيرة ، في العقائد ، والأحكام ، واللغة ، والأدب ، والنحو والصرف ، والاشتقاق والمعاني والبديع ، والبيان ، والحديث والتفسير ، والأصول ، والعلوم التجريبية . ولعل أبرز إنجاز في هذا المجال ، والذي استطاع الفكر الإسلامي أن يبحث به كل هذه العلوم هو المنهج : منهج البحث ، والذي استنبط من تعليمات القرآن ، في دعوتها الإنسان للعلم واستخدام العقل : دعوتها الإنسان إلى تخليص النفس من أثر كل رأي وعقيدة سابقة ، ثم البحث والملاحظة والنظر والموازنة والاستنباط ، كل ذلك في إطار حرية العقل والفكر ، فلم يترك القرآن وسيلة تهدف إلى تحرير الفكر إلا دعا إليها ، ليقيم الإيمان والتدين على أساس راسخ من الفكر الدقيق واليقين المستوعب . على هذه الأسس انطلق الفكر الإسلامي منتجا ومستوعبا ومواجها ومتحديا في كافة المجالات ، وكانت حصيلة ضخمة خلّفها الفكر الإسلامي ، وهي تبدو الآن ذخيرة حية ، يمكنها أن تمد الحياة المعاصرة وحضارتنا بقوى روحية وعقلية كبيرة ، ونحن نقف إزاءها موقف الإكبار والإعجاب . وسوف نعرض في الفقر التالية لأهم الأعمال والمؤلفات الأخلاقية التي أسهم بها العلماء المسلمون في مجالي القيم والأخلاق الإسلامية ، مما يؤدي إلى البرهنة على أن الفكر الإسلامي فكر أصيل ، وأنه قد تطور تطورا طبيعيا ، وأنه أسهم في مجال الفكر الخلقي على المستوى العالمي .

--> ( 1 ) محمد الكتاني ، جدل العقل والنقل في مناهج التفكير الإسلامي ص 13 .